حكايا المخيم الفلسطينيّ – فَخَار

وظيفته الأساسيّة في الأسرة تنحصر في أن يحمل حذاء أخيه الأسود الملمّع الذي تشاركت الأسرة كلّها لأجل شرائه ليبدو ابنها البكر الموظّف في حكومة هذه الدّولة في خير صورة تشرّفه،ولا تحرجه بحذاء مغموس بوحل المخيّم الذي يغمرهم بطوفانه المقيم في الفصول جميعها.

  هذا الابن البكر هو طوق النّجاة للأسرة كلّها،نقوده القليلة هي من تطعمهم أجمعين،وتعفي والده العجوز من أن يعمل في أعمال العتل في سوق القمح في أطراف المخيّم لينقسم ظهره مرّة أخرى.

    يلبس الأخ البكر بذلته السّوداء الوحيدة التي يملكها،وينتعل حذاءً بنّي اللّون قديم،ويسير بخطى واسعة سريعة مختالاً كطاووس،وخلفه يسير الأخ الأصغر يحمل حذاءه بإجلال وفخار.

  عندما يصلان إلى الحافلة في موقف النّقل في قلب المخيّم،يجلس أخوه الأكبر في مقعد من مقاعده،ويخلع حذاءه الموحل القديم،ويناوله لأخيه الصّغير من نافذة الحافلة،وينتش منه الحذاء الأسود النّظيف،وينتعله كي يذهب به إلى عمله دون أن يلطّخ الأماكن التي يسير بها بوحل المخيّم.

  يعود الأخ الصّغير فرحاً إلى بيته لأنّه قام بمهمته اليوميّة الأساسيّة في تحديد مصير الأسرة أكانت ستجد ما تأكله إن بقي ابنها البكر على رأسه عمله،أم أنّها ستتضوّر جوعاً إن طردوه من عمله بسبب حذائه الملطّخ بطين المخيّم.

 الأديبة الأردنية/ د.سناء الشعلان.

المقالات والآراء المنشورة تُعبر عن رأي أصحابها، ولا تُعبر بالضرورة عن رأي مركز الإعلام المجتمعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى