بثوب أبيض وزفة عُوقب الجاني

غزة – مركز الإعلام المجتمعي – هيا بشبش

بثوبها الأبيض ممزوج بدموعها وبعض المساحيق التي كانت تلون وجهها، وهي ترتجف خيفة من ما قد يحل بها، احتضنتني متوسلة إليّ وكأني طوق النجاة الأخير لها حيث قالت لي: “أمانة ما تخليهم ياخدوني بديش إياه” .. هكذا وصفت (م، م) خالة الضحية مشهد ابنت أختها بعد انتهاء مراسم الزواج ليحين موعد تسليم الضحية للجاني في صورة زوجة”.

وقالت: “كنا أنا وأختي وبعض أبنائها ذاهبين للتسوق وكانت ابنة أختي وحدها في المنزل لنتفاجىء باتصال زوج أختي، وبنبرة حادة طلب منها العودة فوراً للمنزل، وعند عودتنا كان هناك تجمهر عند باب المنزل وصرخات زوج أختي تملأ الحي بالتهديد والوعيد، حيث تحين الجاني وهو ابن الجيران وقت خروجنا من المنزل ليقدم على فعلته باغتصاب ابنة أختي ذات الخمسة عشر ربيعاً بعد أن كان يترصدها منذ فترة، وبعد أن تقدم لخطبتها سابقاً وقوبل بالرفض، وحضرت الشرطة لمكان الحدث وجمعت الأقوال واعتقلت كل ذو صلة بالجريمة ولكن الجاني قد فر من المكان، وبدأت المعركة الكبيرة تدار في أروقة الشرطة”.

وأضافت انتهى أمر الجريمة بقرار بالإجماع من الجهات التنفيذية التي تولت القضية بضرورة تزويجهما في أسرع وقت ممكن في انتهاك صارخ للقانون وافلات الجاني من العقاب تحت وطأة  العرف السائد من عادات وتقاليد، وبرغم رفض والدة الجاني رفضاً قاطعاً بحجة أنها لا تريد هذه الفتاة كنة لها، ورفض الضحية وذويها إلا أنه تمت مكافئة الجاني بدل معاقبته.

وتتابع: “مرت الأيام ثقال على كل العائلة، والشعور بالعجز يهيمن على الجميع ، وفي يوم الزفاف وفي لحظة تسليم العروس بدأ الخوف يظهر على وجه العروس وانهمرت دموعها لتختلط بمساحيق التجميل وبدت عليها مظاهر الهلع واستنجدت بالجميع لتعود لمنزل أهلها، وتوسلت الشرطة التي حضرت مراسم الفرح لتتأكد من تمامه، وانهارت في أحضان أبيها ليقرر عودتها، وعادت بلقب متزوجة”.

وبعد مضي شهر وبعد تدخلات المخاتير والوجهاء، سيقت الضحية لمنزل زوجها لتجلس به وتواجه لوحدها مأساتها حيث مُنع الجميع من زيارتها ما عدا والدها ووالدتها إلى حين السماح للبقية بعد فترة زمنية يقررها أهل الجاني.

وعن المعالجة القانونية فقد أفاد المحامي والقانوني، محمد المطوق بأن النظام القانوني في فلسطين، يتألف من مجموعة من القوانين والتشريعات التي تتسم أغلبها بالتناقض وعدم الانسجام مع بعضها البعض، ومع الواقع ومكانة المرأة الفلسطينية، ولا تتوافق مع الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، حيث نخضع في فلسطين إلى تشريعات وقوانين عثمانية وأردنية ومصرية وقوانين من زمن الانتداب البريطاني، بالإضافة الى ما شرع من قوانين في عهد السلطة الوطنية الفلسطينية من قبل المجلس التشريعي الأول، إلى جانب ما شرع من قوانين صدرت عن كتلة التغير والإصلاح في قطاع غزة، وقرارات بقوانين صدرت عن الرئيس وذلك في أعقاب حالة الانقسام الداخلي الممتدة ليومنا هذا، حيث أننا نخضع لمنظومة غير منسجمة، بل وأيضاً عفا عليها الزمن ولا تتناسب واقع المرأة.

وفيما يتعلق بقضايا الجرائم الجنسية ومن بينها الاغتصاب فقد جاءت المواد القانونية المعالجة لها كالتالي: “في قانون العقوبات رقم 74 لسنة 1936، عندما ذكر في الفصل السابع عشر منه الجرائم التي تقع على الآداب العامة، ومن بينها الجرائم الجنسية، حيث  حددت الفقرة (أ) من المادة رقم 152 أنه كل من واقع أنثى مواقعة غير مشروعة دون رضاها وباستعمال القوة أو بتهديدها بالقتل أو بإيقاع أذى جسماني بليغ أو واقعها وهي فاقدة الشعور أو في حالة أخرى تجعلها عاجزة عن المقاومة، يعتبر أنه ارتكب جناية ويعاقب بالحبس مدة عشر سنوات. فيما أوضحت المادة رقم  153، الاغتصاب بالخداع، بأنه  كل من واقع أنثى مواقعة غير مشروعة وهو عالم بجنونها أو بعتهها أو واقعها برضاء منها حصل عليه بتهديدها أو بخداعها في ماهية الفعل أو في شخصية الفاعل، يعتبر أنه ارتكب جناية ويعاقب بالحبس مدة عشرة سنوات.

واكدت المادة رقم 154  على أن كل من حاول ارتكاب جرم ينطبق على أي مادة من المادتين السابقتين، يعتبر أنه ارتكب جناية ويعاقب بالحبس مدة سبع سنوات. ونصت المادة رقم 155 على عقوبة السفاح بقولها أنه ( كل من واقع بنتاً غير متزوجة تجاوزت السادسة عشرة من عمرها ولم تتم الحادية والعشرين مواقعة غير مشروعة أو ساعد أو عاون غيره على مواقعتها مواقعة غير مشروعة وكانت البنت من فروعه أو من فروع زوجته أو كان وليها أو موكلاً بتربيتها أو ملاحظتها، يعتبر أنه ارتكب جناية ويعاقب بالحبس مدة خمس سنوات).

وأضاف: “أنه فيما يتعلق بالشق الآخر من الوطن ( الضفة المحتلة ) فإنه يطبق عليها قانون العقوبات الأردني رقم 16 لسنة 1960 وهو ليس بحال أفضل من المطبق في قطاع غزة.

وأوضح أن هذه القوانين القديمة والمتناقضة بحاجة للتعديل والتجديد لتواكب تطورات العصر ولتلبي مكانة المرأة في المجتمع وتحقق لها الحد المقبول من حقوقها وحمايتها لا سيما في قضايا الاغتصاب، ومما لا شك فيه أن حالة الانقسام بين شقي الوطن هي من الأسباب الرئيسية لعدم إقرار أية قوانين جديدة أو تعديلات بسبب غياب المجلس التشريعي؛ كما أن الدور الرقابي الحكومي على تطبيق القوانين ليس بالحد الكافي في مثل هذه الجرائم فالناظر للمشهد يجد أن مؤسسات المجتمع المدني تبذل جهداً مضاعفاً  وتقوم بالدور المنوط بالحكومة وهو الضغط من أجل تسليط الضوء على هذه الجرائم وتعرية الجناة محاولة تحويل الجرائم لقضايا رأي عام من باب الضغط على صناع القرار لاتخاذ المزيد من التدابير الاحترازية لضمان عدم تكرار هكذا جرائم، وكذلك تقوم هذه المؤسسات بدور كبير في التوعية والارشاد ولكن هذا لا يغطي غياب الدور الحكومي بشكل كامل ولو أنه يساهم في رفع مستوى الوعي والتقليل من هذه الأفعال الخارجة على القانون وعلى عاداتنا وتقاليدنا الأصيلة.

وأضاف أن جرائم الاغتصاب وكذلك المواقعة غير المشروعة ( جرائم الزنا ) تعالج بشكل خاطئ حيث تتولى الجهات التنفيذية وغالباً العلاقات العامة في مراكز الشرطة برفقة رجال الاصلاح معالجتها ومتابعتها وذلك بذريعة التستر على هذه الجرائم في أضيق نطاق ومعالجتها بالسر والكتمان وفي اغلب الاحيان تتم مكافأة الجاني بتزويجه من ضحيته وأغلب هذه الزيجات لا تدوم طويلاً، والحقيقة أن هذه المعالجة سلاح ذو حدين فهي تحقق نوعاً من السرية ولكنها تفتح الباب لكل من تقدم لخطبة فتاة وقوبل بالرفض أن يقوم بالاعتداء عليها طالما أن الخاتمة ستكون بالزفاف وتقدم له على شكل زوجة وبأقل المهور في أغلب الأحيان.
ولكن الجهات المعنية تجاهلت مبدأ أصيل في القانون وهو مبدأ سرية الجلسات إن لزم الأمر وبذلك يمكن أن نحقق الردع العام والخاص وفي نفس الوقت بشيء من السرية في هذه القضايا إن كانت الجلسة سرية وهنا أيضاً يتم ضمان أن ينال الجاني عقوبة رادعة على جريمته وعندها لن تسول له نفسه العود لمثل هذه الجرائم.

تم إنجاز هذه المادة الصحفية من قبل مركز الإعلام المجتمعي، وبدعم مباشر من برنامج “سواسية” البرنامج المشترك لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي وهيئة الأمم المتحدة للمرأة ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسيف”: تعزيز سيادة قانون في فلسطين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى