التحرش في بيئة العمل.. التستر للحفاظ على لقمة العيش أم الإبلاغ واسترجاع الحق

هديل فرحات

تُداري جدران بعض المؤسسات الإعلامية والتعليمية والحكومية، جريمة منتكهة بحق النساء، بسبب الخوف من قطع لقمة العيش أو الوقوف في وجه ذوي السلطة والنفوذ، ما يمنعهنّ من الإبلاغ عن هذا التحرش الذي قد يكون جسدي أو لفظي أو بنظرات مسلطة على جسدها، كمفترس يقتنص فريسته،؛ حيث أن تدهور الوضع الاقتصادي وشُح الفرص ورغبة المرأة بتحقيق كيانها هو ما يدفع  النساء للنزول لسوق العمل المليء بكل الفئات التي تختلف في نظرتها لأحقية المرأة في العمل ودورها في المجتمع ومبدأ المساوة بين الرجل والمرأة في مناحي الحياة كافي وخاصة سوق العمل.

الخوف على السمعة والخوف من نفوذ صاحب العمل والجهل بالعقوبات هو ما دفع سلسبيل وهو اسم مستعار من التكتم  على الجريمة المنتهكة بحقها، وهي تحرش رئيس العمل بها أثناء اجتماع خاص بينهما، فقد طلبها المدير لاجتماع لتقييمها بعد شهر من عملها في المؤسسة كمنشطة أطفال، ولم يخطر ببال سلسبيل أن مديرها يملك الجرأة للمسها والتحرش بها متعمداً، ولم تكن هذه المرة الأولى، فكان يقترب منها كلما سمحت الفرصة له والاحتكاك  المتعمد بها، فكانت سلسبيل تصمت لاعتقادها بأنها يتهيأ لها، ولكن مع تكرار الحادثة بأشكال مختلفة تأكدت من الأمر، فطلبت الاستقالة وترك المكان.

وأشارت الدكتورة آيات أبو جياب، أخصائية اجتماعية ومُعالجة أسرية، إلى أن  ما يميز التحرش في بيئة العمل عن التحرش في الأماكن العامة وغيرها، بأن التحرش يأتي من أشخاص متعلمين ومثقفين وذوي  مكانة ونفوذ، مما قد يزرع الرهبة في نفوس النساء والخوف من الإبلاغ أو الدفاع عن النفس، فتُجبر النساء على السكوت، وفي بعض الحالات الإنكار أصلاً بأنه تم التحرش بها خوفاً من النفوذ والسلطة أو خوفاً من قطع لقمة العيش.

وأوضحت الدكتورة أبو جياب بأن أكثر الفئات التي يتم التحرش بها هن الفئات ذات المكانة الوظيفية البسيطة كعاملات النظافة، لأن هذه الفئة غالباً تكون من أسرة فقيرة وبسيطة لا يمكنها المحاربة أو الوقوف في وجه السلطة والنفوذ، فتُفضل السكوت والتنازل عن حقها، خوفاً على سمعتها أحياناً وخوفاً على لقمة عيشها أحياناً أخرى، وقد تكون جاهلة بأشكال وأنواع التحرش فتعتقد أن هذا من باب المداعبة والغزل، وخصوصاً إذا كانت من بيئة جافة تفتقر إلى الحب والحنان والملاطفة من ناحية الأهل.

يذكر أن للتحرش آثاره السلبية على النفس كما أكدت الدكتورة أبو جياب، ومنها فقدان المرأة الثقة بنفسها وبمن حولها، والخوف في التعامل مع بعض الأشخاص، وقد تنعزل المرأة عن أصدقائها وعائلتها وأبنائها، وقد يتطور الخوف إلى اكتئاب وأمراض عقلية كالوسواس القهري، مما قد يدفعها إلى التفكير بالانتحار للتخلص من هذه الأفكار وإنهاء مشاعر الخوف التي تتملكها باستمرار.

يجب على النساء أن يتمكنّ من الانخراط العادل بينهن وبين الرجال في سوق العمل لذا يجب أن تكون بيئة العمل آمنة وصحية، ويجب على المرأة التمييز بين الحب والملاطفة والمداعبة والتحرش، وعليها أن تقوى ذاتها، وعدم إظهار ضعفها وحاجتها للحب والمشاعر الدافئة أمام الجميع فهذا سيجعل منها فريسة سهلة أمام المتعطشين والوحوش البشرية، وعلى العائلات الاهتمام وإشباع عواطف أبنائهم بشكل عام وبناتهم بشكل خاص، لكي لا يبحثوا عن مصادر خارجية قد تودي بحياتهم إلى الهلاك.

تم إنجاز هذه المادة الصحفية من قبل مركز الإعلام المجتمعي، وبدعم مباشر من برنامج “سواسية” البرنامج المشترك لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي وهيئة الأمم المتحدة للمرأة ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسيف”: تعزيز سيادة قانون في فلسطين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى