نساء معنفات يبحثن عن ملجأ آمن , فهل وجدنّ؟!

غزة_CMC_ولاء فروانة

بعضهن بَدون كطفل صغير، بحاجة لمسح دموعهن وتبديد مخاوفهن، وأخريات خُتم على أفواههن وربطت ألسنتهن، ولم يعد باستطاعتهن النطق بحرف، وكثيرات كن بحاجة لبعض التشجيع والطمأنينة كي يبحن بوجعهن وآلامهن.

عشرات بل مئات النساء ممن تعرضن للعنف بمختلف أشكاله في قطاع غزة، كن ضحايا عادات وتقاليد بالية، جعلت منهن ما يسمى ب ” ضحية جيدة”، في إشارة على تقبل الظلم والبطش دون شكوى أو حتى أنين.

وحتى إن قبلت بعض النساء المعنفات مضطرات,  بما وقع عليهن من ظلم، فإن المجتمع بشكل عام والمؤسسات النسوية على وجه الخصوص، يقع عليها عبء كبير، ومسؤوليات جسام، للوصول لتلك النساء أولا، ثم البدء ببرنامج متدحرج، لإقناعهن بالبوح بأوجاعهن، بل والمطالبة بحقوقهن، ومقاضاة من ظلمهن، لاسيما وأن بعض بنود القانون قد تنصفهن.

الثلاثينية ع.أ إحدى النساء المقيمات في مؤسسة بيت الأمان، قالت: “لجأت إلى المؤسسة بعد معاناة كبيرة عشتها، تنقلت خلالها لأكثر من مؤسسة لأخذ حقي، فهي أم لثلاثة بنات أكبرهن تبلغ من العمر خمسة عشر عاماً وأصغرهن ثلاثة أعوام.

تروي قصتها لمركز الإعلام المجتمعي بعيونها الحائرة، فهي لم تأخذ قراراً بعد بخلع زوجها بعد أن أصبحت العصمة في يدها، وأصبحن الثلاثة فتيات في حضانتها بعد عراك طويل أمام زوجها في المحاكم.

“خمسة عشر عاماً قضيتهم في بيت زوجي، لم أكن أعرف قبلهن أن هذا النوع من الرجال موجود في زماننا، هذا حتى رأيته بعيني، هو مدمن مخدرات لا يكترث لأهل أو زوجة أو طفل له، كل ما يهمه هو نفسه” وتضيف حتى الشرطة يئست منه وأخرجته من السجن، لتكرار حبسه.

وأوضحت ع.أ بأن زوجها يحمل دائما الأدوات الحادة، يجرح بها نفسه ومن حوله، وإن منع عنه كل شيء حاد إلا أنه غالباً ما يجد طريقة لإيذاء نفسه ومن يراه أمامه، فسرعان ما تخلي الشرطة سبيله بعد توقيعه على تعهد.

وتشير بأنها تعمل في مهنة التجميل “كوافير”، أما زوجها فلا يعمل منذ أن تزوجته، لذلك تصرف عليه وعلى بناته هي منذ 15 عاما، ويحصل على مساعدة من وزارة الشؤون الاجتماعية، فلا يصرفها على بيته، بل ليشتري المخدرات.

وتضيف “قمت بتطليقه غيابياً أثناء دخوله السجن، وبعد خروجه عدت إليه فقط من أجل بناتي، فتكررت نفس المشاكل، فطلبت الخلع واتفقنا، الآن أن العصمة بيدي وأن البنات في حضانتي، وقد وضعت بناتي الآن في معهد الأمل للأيتام”.

بوجهها الذي تحاول إخفائه بيديها بين الفينة والأخرى، اعتذرت وقالت” شوه وجهي بضربي بعصاة “المكنسة”، فكان يكسرها على وجهي ورأسي”، وعن أهله قالت “تبرأ منه والده في المسجد بعد علمه بأن ابنه يتعاطى المخدرات ولا ينوي الإقلاع عنها.

أما أهلها فتقول: “هم خائفون منه إذا ما مكثتُ عندهم أنا وبناتي، يتردد على بيتهم باستمرار، ويسبب لهم المشاكل، لذلك فهم يرجعونني إليه من باب تجنب المشاكل.

تسدد ع.أ مصاريف المحامي الذي رفع لها القضايا في المحكمة من خلع وحضانة وغيرها، وما زالت تمكث في المؤسسة منذ ثلاثة شهور، هي لا تفكر بمستقبلها بل ختمت بقولها “بعد( 15) عام من العذاب فقط امنحوني الراحة ودعوني أخطط لمستقبل بناتي، فلا أريد أن يعانين ما عانته أمهم”.

ع.أ ليست الوحيدة، فهي واحدة من عشرات الحالات، وهي دليل حي على مدى تعرضن له النساء من ظلم وقهر من قبل أزواجهن وأهلهن، والسؤال المطروح، ماذا كانت ستفعل تلكم السيدة لولا مؤسسة البيت الآمن، ومن كان ييجفف دموعها ويضمد جراحها، فهي وغيرها من النساء المعنفات يصرخن من كل مكان “أنقذونا”.

مديرة مؤسسة بيت الآمان هنادي سكيك، قالت بأن المؤسسة حكومية إيوائية استشارية، تختص بالنساء المعنفات في المجتمع، وهي المؤسسة الوحيدة التي تتيح للسيدة المكوث فيهاـ وتقديم لها كل الخدمات، مع وجود مختصين نفسيين واستشاريين، وقانونيين لمساعدتهن لحل مشاكلهن.

وتضيف سكيك: إن أكثر شيء يجعل المؤسسة مريحة لتتعامل معها المعنفات، أن كادرها من السيدات فقط، مشيرة إلى أن مدة الإقامة في المؤسسة مرهون حسب المشكلة ونوعها، وبعض الحالات لا تسمح فلسفة البيت بالجلوس في المؤسسة، ويمكن أن تتعرض السيدة لأذى أكبر، وهنا يتم متابعتهن بواسطة زيارتهن في البيوت أو عبر التليفون.

وعن التعريف بالمؤسسة وكيفية وصول السيدات لها، تقوم المؤسسة بعمل لقاءات عدة على الإذاعات المحلية، للتعريف بها والخدمات التي تقدمها، كإذاعة الرأي والأقصى، وغيرها، وأيضاً من خلال التنسيق مع كافة الدوائر الحكومية في مختلف مناطق القطاع، بالإضافة إلى المؤسسات الأهلية والخاصة، والشرطة الفلسطينية، وبعض المؤسسات الدولية العاملة في المجتمع المحلي مثل “أنروا”.

وكانت المؤسسة قد أنشئت في شهر يونيو من عام 2011، وخلال مدة أربع سنوات تعاملت المؤسسة مع أكثر من (354 )حالة من النساء، تعرضن للعنف بأشكاله، سواء الجسدي أو الجنسي أو حتى النفسي, وتستقبل المؤسسة في الشهر ما يزيد عن( 8 )حالات تصل أحياناً إلى (25 )حالة.

وأوضحت سكيك أن أغلب المشاكل التي يتم دراستها ومعالجتها يكون أسبابها التفكك الأسري، واختيار الزوج بشكل خاطئ، وطفت على السطح في الآونة الأخيرة المشاكل الاقتصادية، وهي إحدى أهم مسببات العنف ضد النساء، ولا يمكن تجاهلها..

وأثنت سكيك على المؤسسات الخاصة والحكومية، التي تدعم المرأة، مشيرة إلى أنها حققت نجاحات كبيرة، داعية إلى المزيد من التعاون والتنسيق، لتغطي بعضها ثغرات الأخرى، فمثلا بعض المؤسسات يتم دعمها خارجياً، وأخرى يتم الدوام بها صباحاً ومساءاً وأخرى استشارية.

** تم انتاج هذه المادة في إطار مشروع “أوقفوا العنف ضد النساء” الذي ينفذه مركز الاعلام المجتمعي (CMC) بالشراكة مع الأمم المتحدة الاستئمانية لانهاء العنف ضد النساء (UNTF)

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى