بعد مرضها .. زوج لطيفة “يكافئها” بزوجة أخرى.

غزة – CMC – آية جودة:

تجلس فوق سريرها الخشبيِّ “المفرد”، الذي لا يتسع لغيرها، ممددة الأطراف، لا تفعل شيء سوى مراقبة وجوه الزائرين لها بعد إصابتها بالكبد الوبائي وضعف المناعة في كامل جسدها، إضافة إلى وجعها النفسي بعد أن هجرها زوجها قبل سبع سنوات وتزوج بأخرى من أجل استمرار حياته دون أي اكتراث منه بحالة زوجته النفسية والصحية.

لطيفة مدرسة سابقة في إحدى مدارس مدينة رفح، وأم لخمسة أبناء، تروي بصعوبةٍ بالغة مرارة الحياة التي تذوقتها بعد اصابتها بالمرض، وتقول “لم أتوقَّع وبحيويَّتي التي عشتها أن أصبح حبيسةَ أربعة جدران، محرومة من الزوج، و من حقوقي الزوجيَّة والاجتماعيّة “.

وتستذكر حياتها الزوجية منذ بدايتها وحتى بداية اشتباه المرض معها، “مرَّت سبعةَ عشر عاماً على زواجي، كنت حينها مسئولة عن نصف مصاريف المنزل، ومهامي الزوجية كاملة، إضافة لرعايتي لأطفالنا والتزامي بالمناسبات الاجتماعية والمنزليَّة، ورُغم ثقل الحياة وواجباتي إلا أني كنت أشعر بالحياة حينها، حتَّى شعرت ببداية وخز في صدري، ومع ضغط العمل كنت أُعزي السبب إليه ولم أتوقَّع أني مُصابة بمرض”.

تتابع لطيفة حديثها “مع زيادة الأمر كان الإصرار من أهلي وزوجي بمراجعة طبيب يتزايد، وبالفعل ذهبت إلى الطبيب، وتطلَّب الأمر عدَّة فحوصات، فبدأت الهواجس والمخاوف حينها  تتزايد من خلال تفكيري المتكرر بالأمر، حتَّى ظهرت نتائج التحاليل كاملة، فنزل الخبر عليَّ كالصَّاعقة، واكتشفت وعائلتي إصابتي بالكبد الوبائي، لتبدأ مرحلة العلاج والموت البطيء”.

بعد اكتشافها لمرضها التي بدأت معاناتها تتزايد منه، كان لا بد لها من الراحة والاستقالة من عملها كمدرسة، فعملها يحتاج إلى كثير من الجهد والتعب في حين أن صحتها أصبحت لا تحتمل ذلك، وبالفعل استقالت من عملها، إلا أنها حاولت وبأكثر من طاقتها التي يحتملها جسدها الضعيف أن تلتزم بواجباتها المنزلية، في محاولة منها لمقاومة المرض الذي بدأ يؤثر على كامل جسدها.

تصمت لطيفة للحظات ومن ثم تبتسم ابتسامة مليئة بالوجع، وتُكمل “لم يمضي على إصابتي  ثلاث أشهر، حتَّى تغيَّرت مُعاملة زوجي بالكامل، وأصبح يتجنَّب الحديث معي، معتقدة بأنه متأثر بما أصابني، إضافة إلى خوفه عليَّ، وعدم تمكنه من مساندتي، ورفع المعاناة عنِّي، حتَّى جاءني وعرض فكرة زواجه بثانية، بحجة أنه سيرتبط بأخرى لخدمتي”.

لطيفة والتي كانت في بداية عقدها الثالث شعرت بأن حياتها انتهت ودُمرت بالكامل، فهي كانت في انتظار الدعم والمساندة الكاملة من زوجها الذي كافأها بالزواج من أخرى، وأظهر بشكل واضح عدم الاكتراث بما أصاب شريكته في الزواج، بل إنه ساعد على تدهور صحتها النفسية والجسدية بفعلته.

تقوول علامات الصدمة والدهشة واضحة على وجهها: “كان حديثه بداية الموت بالنسبة لي، فلم أتوقع أن يأتي اليوم الذي تُشاركني امرأة أخرى في الزوج والبيت والذكريات الجميلة التي عشتها طيلة زواجي، ورغم رفضي، لم أتمكَّن من فرض رأيي بالقوة، خاصة وأني الآن في موضع العاجزة في نظر المحيط بي لذلك قبلت بالموت وبالزَّوجة الثانية بالإكراه”.

تعود لطيفة دقائق الى صمتِها، لكنَّها تعجز وتستسلم للبكاء، تمسح بكم ثوبها الخشن على وجهها، وتُكمل “جاء بزوجته إلى منزلي وسكنت بالطابق العلوي، وفي أيام زواجه الأولى كان يأتي لزيارتي خطف وكأنَّ الأمر واجب ينفضه لدقائق ويهرب لشقتها ، وأما العلاج فيُقدمنه بناتي وأحياناً أُصاب بعجزٍ كامل فلا أجد أحد بجانبي”.

تُكمل “لستُ ضعيفة لأتقبَّل وبالإجبار حياتي الجديدة لذلك بعد شهرين من زواجه، طلبت الطلاق، فكان من الصَّعب أن أُكمل حياتي بهذا الروتين الجديد والذي يجبرني على الموت وأنا على قيدِ الحياة، ورُغم إصراري على طلبي، وجدت اللوم من عائلتي وأهلي ونظرات العتاب من أبنائي، فقبلت مُرغمة على هذه الحياة بمرارتها وقسوتها لأجل أبنائي”.

الأخصائية أسماء أبو جزر أكَّدت أنَّ المرأة المرِحة النَّشيطة حين تفقد حيويَّتها بالمرض، تصبح أكثر عُزلة وحساسيَّة، وتفقد في غالب الأحيان ثقتها بالمحيط، الذي يحاول كل شخص فيه أن يبحث عن ذاته دونها، وهى التي كانت بمثابة المُحرِّك الأساسي لشئونهم قبل الاصابة بالمرض وعدم القدرة على الاستمرار.

وأوضحت أبو جزر “طلب الطَّلاق قد لا يكون رغبة داخليَّة قويَّة أو قراراً سعيد للخلاص بالنسبة لها، وكونها ستفقد ما تبقى من أعمدة منزلها وسنوات العمر التي عاشتها وكل التفاصيل الجميلة، لكنها من خلاله تحاول استعادة الثقة بنفسها، والتأكيـــد على قوَّتها وقدرتها العالية في رفض صورة الحياة  الجديدة التي فُرضت عليها بالقوة.

ومن هذا المنطلق وعلى الرغم من المعاناة التي تذوقتها لطيفة، والنساء المماثلة أوضاعهم لأوضاعها المرضية والأسرية والاجتماعية والوجع الذي تعاني منه، تبقى المرأة هي صاحبة الحق بقبول حياتها أو رفضها دون قيود تفرض على تغيير قراراتها الحياتية.

** تم انتاج هذه المادة في إطار مشروع “أوقفوا العنف ضد النساء” الذي ينفذه مركز الاعلام المجتمعي (CMC) بالشراكة مع الأمم المتحدة الاستئمانية لانهاء العنف ضد النساء (UNTF)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى