نور: تواصل العطاء وتخدم النساء المعنفات.

غزة – CMC –ترنيم خاطر   

كانت أحلامها بسيطة كغالبية الفتيات، فبعد أن أنهت دراستها الجامعية بدأت ترسم خارطة حياتها الأسرية بخيالها البريء، زوج ودود حنون يخاف الله فيها، ثم عائلة صغيرة تضم أفرادها بالحب والدفء والحنان.

نور زهير ابنة 22 عاماً التي انتهت أحلامها في أزقة المستشفى، بعدما نقلت وحنة العروس لازالت في يدها، لتتعالج من الرضوض التي أصيبت بها نتيجة تعرضها للضرب المبرح على يد زوجها بعد مضي أقل من شهرين على زواجها.

    بعد أن تخرجت نور تقدم لخطبتها ابن خالتها الذي لم تعرفه منذ الصغر، فوافقت نور عليه بعد اقناع والدتها لها بأنه خلوق ومحترم وإمام لأحد المساجد وسيحافظ عليها ويصونها.

    تضيف كان معسول الكلام ووعوده كاذبة، وكانت بداية مشاكلي معه عندما فرض عليا مجموعة من الأوامر اللامنطقية مني لا تجلسي بجانبي، لا تأكلي معي، لا تجلسي مع أخواني، لا تخرجي للضيوف، لا تغتسلي، لا تنامي، ولا .. ولا .. ولا إلا بإذني”.

    تبدأ نور بسرد المزيد من التفاصيل الخاصة بحياتها القاسية فتقول: “خدعت أكبر خديعة في حياتي، وصدمتي الكبرى بأن خالتي وأبنها هم سبب تعاستي، لأعاني اليوم من وصمة “مطلقة”.

مأساة نور كانت من أول ليلة زواج، حيث تعامل معها بطريقة همجية، وبدأ يأمرها بأسلوب مهين لخدمته وتلبية احتياجاته”.

    تتابع: “في صباح اليوم الأول لي في بيت خالتي أمرت أن لا أذهب لإحضار الفطور، تقبلت الأمر واعتبرته من باب غيرته عليَ، إلا أنني تفاجأت من موقف خالتي التي جاءت تطرق باب غرفتي بكل عنف وتأمرني بالذهاب للمطبخ وترتيبه، شعرت حينها بحزن وألم شديد خاصة أنها خالتي التي يفترض أن تعاملني كأبنتها”.

مع الأيام استمرت حماتها في معاملتها القاسية, بل زادت على حد وصف نور، ” أصبحت بمجرد دخولي إلى غرفتي تنهال علي بالأوامر والطلبات ولا تترك لي مجالاً للراحة، حتى جعلتني أشعر من أسلوبها في الأمر والنهي أنني خادمة وليست عروساً لم يمض على زواجها أياماً”.

    وتضيف في يوم من الأيام وأثناء جلوسنا في صالون البيت قمت بإحضار الشاي وجلست بجانب زوجي، وحينها حدث مالم أتوقعه، تقول نور: “فوجئت بضربه لي لمجرد أنني جلست، وعندما استجمعت قوتي وحاولت أن أتناقش معه فيما حدث وأن الضرب ليس أسلوباً للمعاملة، اعاد ضربي من جديد وبعنف أكبر وشتمني وأهانني، بل أنه عايرني بأنني جاهلة رغم أنني جامعية وهو أيضاً”.

    حاولت نور أن تقنع نفسها أن الأمر يحتاج إلى الصبر حتى يتسنى لها معالجته، وأن ما تواجهه من مشاكل يمكن حلها، إلا أن توقعتها لم تكن في محلها تطورت الأمور أكثر مع زوجها عندما أقدم على أخذ الذهب الخاص بها وجوالها وقام ببيعه، أما راتبها البسيط التي كانت تتقاضه من وراء عملها في أحد المراكز التعليمية فكان حقاً له، ولا يمكنها الذهاب إلى عملها إلى بعد حصولها على 2 شيكل من حماتها.

تتابع: “لم يقتصر الأمر على ذلك بل قام زوجها بمطالبتها بحقها في ورثة أهلها، فردت عليه أن أبويها مازالا على قيد الحياة، وأنها متنازلة عنه لإخوتها كنوع من ردعه، فما كان منه إلا أن أهانها وضربها ومن ثم طردها من البيت لتشتكي لأمها، لتنصحها أمها بضرورة الصبر والتحمل مؤكدة لها أن كلام الناس لن يرحمها بتركها بيتها بعد فترة صغيرة من الزواج”.

    واستمرت نور بالتنازل عن الكثير من حقوقها الأساسية، حتى جاءت الضربة القاسمة,  يوم تضرر مجفف الشعر خاصتها بسبب ماس كهربائي، وكانت ردة فعل زوجها على هذا الحادث العرضي أن ضربها وكأنها خصم في حلقة مصارعة، تقول نور: ” استخدم كل حركات الكاراتية التي يعرفها على جسدي الهزيل، وزاد ليضربني بسلك الراديو المصنوع من البلاستيك، حتى ذهبت في غيبوبة بعد أن بدأت الدماء تسيل من كل مكان من جسدي وبدأت أنزف”.

    إثر هذا الضرب نُقلت نور للمستشفى، وهناك أفاقت بعين واحدة على أصوات صراخ أهلها تقول نور: ” كانت عيني مغطاة بضماد طبي، وجسدي كله ينزف، بدأت بالبكاء حتى تدخل التمريض ليخرج أهل زوجي من الغرفة”.

 أصابت الرضوض كافة جسد نور, إضافة إلىنزيف في المعدة، وكسر في يدها، وعندما قدمت الشرطة لتستعلم عما جرى, قالت والدتها بسذاجة أن الأمر عائلي, في محاولة لصون كرامة عائلتها وعلاقتها بأختها من كلام الناس, فيما تنكرت لحق ابنتها.

بعد مضي شهر على ضربها طلبت نور الطلاق وفي أول ردة فعل على رغبة نور في الخلاص من الزوج، قالت لها أمها أنت عروس وكلام الناس سينهش لحمك، تقول نور: “كرهته لكني حاولت في قرارة نفسي إعطاءه فرصة للعودة، ولكن بعد أن وقف في مقعد الرجال وقال أنه يشك أن يكون غشاء البكارة قد فض منه, تراجعت عن رغبتي، وتيقنت أن لا مجال للعيش معه”.

هذه الضربة الأشد لنور حتمت عليها إنهاء الحياة مع هذا الرجل، وعلى الرغم  من حكم القضاء العشائري وتدخل كل رجال الإصلاح في أمرها، و ردة فعل أهل زوجها على قرارها باللجوء إلى المحكمة وازدياد التهديد والابتزاز من قبل خالتها، إلا انها لم تتردد ولم تخف، تقول:”هددتني خالتي إن لم أتنازل عن القضية، فستحرق ملابسي وتأخذ  كل ممتلكاتي التي في بيتهم”.

نور, لها من اسمها نصيب, تصر اليوم على المضي قدماً، ونيل حقها في الطلاق، وتصر أيضاً أن تواصل العطاء في هذه الحياة القاسية’  لذا مضت في المشاركة في أنشطة العمل النسوي لتخدم الأخريات من النساء خاصة المعنفات، كما أنها تطمح لاستكمال دراساتها العليا “أؤيد أن أكون قدوة لكثيرات من قريناتي اللواتي يخشين رفع صوتهن ضد الظلم، واللواتي ينزوين في بيوتهن بعد الطلاق، على كل امرأة معنفة مواصلة الكفاح من أجل نيل حقوقها”.

** تم انتاج هذه المادة في إطار مشروع “أوقفوا العنف ضد النساء” الذي ينفذه مركز الاعلام المجتمعي (CMC) بالشراكة مع الأمم المتحدة الاستئمانية لانهاء العنف ضد النساء (UNTF)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى